عادة ما يتم ربط الحروب بمصالح على النفوذ والسيادة أو الصراع على المصالح الأقتصادية أو لأجل الهوية أو تحريرية من المستعمرين، ولكن الصراع في سوريا يأخذ طابعاً آخر فهو صراع على البراديغما، أي أنه صراع على الرؤية الفكرية والأطر القيمية والأخلاقية وبناء على ما سبق ينظم الانسان حياته و يتخذ قراراته ويحدد خياراته ومواقفه.
ان نقطة الخلاف السوري تنطلق من صراع بين براديغما الاجتماعية التي كانت تقوم بترابط المجتمعات و خاصة ان المجتمعات السورية كانت لها قيمها الأخلاقية و السياسية التي حافظت على استمرايتها عبر التاريخ والتي كانت تقوم على التكامل و الروابط الاجتماعية وفي النقيض هناك و البراديغما التي تؤسس لواقع غير اجتماعية.
ويشير ألان تورين “فيلسوف فرنسي” الى براديغما الاإجتماعية والتي تتشكل في ظل عالم متغير ويذكر أننا إذا نظرنا إلى العالم الراهن نراه يشهد حالة من التشرذم والتفكك ، حيث تتدمر القيم الاجتماعية و تكون الفردانية والاغتراب عن الواقع، إنه العالم الذي افرزته الحداثة الراسمالية والدولة القومية والتعصب بكل اشكاله من نتائجه,إنه العالم الذي يقاد بالمنفعة والقيمة الربحية . والسلطات المتعاقبة على سوريا سواء أكانت بظل حكم البعث الذي أخذ طابعاً قومياً عربياً، أو بظل الحكومة الانتقالية بقيادة احمد الشرع الذي استولى على الحكم منذ عام مضى وجاء من قاعدة جهادية و يتبى في خطابه مبدأً قومياً جهادياً. لذلك تميزت هذه الأنظمة بأنها دول قومية بنكران التنوع الثقافي والعرقي والديني لسوريا.
فالانقلاب الذي نعيشه اليوم هو انقلاب اجتماعي. نتيجة سياسة هذه الدول انهارت القيم الاجتماعية التي كانت يضمها المجتمع، وخاصة أن المجتمع السوري تتنوع مكوناته من كرد وعرب وسريان واشور وكلدان و أرمن كما أنها غنية بالمعتقدات فهناك العلويين والدروز و الاسماعيلية والايزيديين وتطول القائمة، هذه المجتمعات المتداخلة على الأرض السورية كانت تتعايش و تتكامل مع بعضها. ولكن السياسة الاقصائية لهذه السلطات كانت تعتمد على استغلال الدين أيضاً لضمان تبعية افراد المجتمع فالدين والعقيدة تشكلان حجر الأساس في العقل الشرق الاوسطي ولا يمكن لأي سلطة أن تتحكم بالمجتمع دون استغلال المعتقد والدين. وكل ما سبق أدخل المجتمع في دوامة من العنف تقوم على نكران كل آخر مختلف. التشتت الاجتماعي يبدأ من القيم التي ترسم حول النساء وفي مقابلها القيم التي ترسم حول الرجل في مجتمع تباد هوية المراة. ونتيجة للسياسات دخل المجتمع في مرحلة تشهد تعصاباً متداخلاً يمكننا تسميته بالثالوث المدمر لقيم المجتمعات والذي يتكون من (التعصب القومي و الديني والجنسوي).
ان هذه التعصبات تُفرغ المجتمع من قيمه الأخلاقية، والمجتمع الذي تتراجع الاخلاق فيه يغدو كالجسد بلا روح، مثل هذه المجتمعات لايمكن لها ان تستمر، لذلك هي تحاول أن تسلب من المجتمع الاخلاقي مفرادته كأن تذكر الحرية ولكن القرارات مركزية وتتميز بالافتقار لحرية التصويت والانتخاب، رغم كل محاولات هذه الأنظمة الاستمرارية والبقاء إلا أنها تبقى نظاماً خاوياً ومفلسة . الأمر الذي يدفعها لتحويل البلاد لمستعمرة تخدم مصالح القوى الإقليمية والدولية للاستمرار في السلطة .
لا يمكن لوطن تمزقت الانتماءات فيه الخروج من دوامة العنف إذا لم نبتي بردايغما التي تؤسس للمساواة و التشاركية والمجتمع الأخلاقي السياسي.
في مقابل العنف الذي كانت تشهده سوريا بظل فوضى الناتجة عن براديغما الحداثة و الحداثة الراسمالية كانت هناك ولادة لبراديغما جديدة في شمال وشمال شرق سوريا الأرض التي هزمت داعش، هذه البراديغما التي تبنت فلسفة الامة الديمقراطية للمفكر عبد الله اوجلان ، ويدعو فيها للعيش في مجتمع حر ديمقراطي، حرية المرأة جزء أساسي منه وأيضاً لبناء المجتمع الايكولوجي. ان هذه البراديغما التي تبني العلاقات بين الافراد وتعيد للمجتمع أخلاقه والتي تمثل الروح لاستمراريته.
لذلك تبنت الادارة الذاتية مشروع الامة الديمقراطية التي تعطي حقوقاً لكل من يعيش على هذه الارض لكل حقوقه الثقافية و حرية المعتقد، في الادارة الذاتية هناك المؤسسات التي تضمن حقوق كل المواطنين، ومنها مجلس الشعوب الديمقراطي يضم ممثلين من كل المكونات والاطياف السورية في شمال وشرق سوريا ، كان يشكل حالة من الديمقراطية المتقدمة.
لكن لتحقيق هذه المبادئ كان لابد من بناء وعي اجتماعي لتقبل الآخر، وهنا كان لا بد من تنوير المجتمع والمرأة بشكل خاص ففي مجتمع بُنى التراتبية فيه باستبعاد المرأة من الحياة العامة وحولها لجزء ملحق بالرجل وخاص ضمن المنزل. لايمكن بناء ديمقراطية كاملة انها تلك الديمقراطية المشوهة التي تراها حقاً للرجل فقط و للمرأة في أطر محددة ، حتى الحرية ككلمة تحتكر بالرجل فحرية المرأة يشكل مصدر قلق للمجتمعات الذكورية التي ترى في المرأة فقط جسد وعورة. لذلك كان تحرير المرأة وإعادة دورها الإجتماعي أساسي في براديغما الأمة الديمقراطية فالمرأة التي بدأ يتشكل وعيها ويتعمق دورها في المجتمع وانضمت العديد من النساء لهذا النضال، فكان لهن تنظيمهن الخاص مدنياً وعسكرياً، وكان هناك حراك نسوي دائم لحل المعضلات الاجتماعية في مجتمع يشكل نكران وجود المرأة المعضلة الرئيسية فيه.
ان هذا الصراع الفكري بين التيارين بدا جلياً بظل اندماج الإدارة الذاتية بالدولة السورية، ان السبب الرئيسي لعدم قبول مشروع الإدارة الذاتية من قبل السلطات السورية هو تضاد بين البرديغما السلطوية الااجتماعية وبين براديغما الامة الديمقراطية التي تتبناها الإدارة الذاتية.
ويدل على ذلك الهجوم على مبدأ أخوة الشعوب الذي يؤكد على المساواة بين المواطنين و حقهم بالمعتقد والتعلم باللغة الام وممارسة الطقوس والشعائر لكل المكونات. وأيضاً هناك محاولات النيل من مكتسبات المرأة في شمال وشرق سوريا، وبدا هذا واضحاً ماشاهدناه من صور انتقامية لمقاتلي الجيش العربي السوري من المقاتلات الكرديات سواء فالصور القاسية التي تم مشاركتها على وسائل التواصل الاجتماعي ونذكر منها رمي جثة المقاتلة دينيز جيا من على سطح احد البنايات في حي الشيخ مقصود بحلب ، أو القيام بعرضهن للبيع على وسائل التواصل، و أيضا انتشار فيديو لشخص يتفاخر بقطع جديلة شعر لمقاتلة كردية بعد قتلها، بالإضافة الى خطاب التهديد والوعيد لكل من كانت ضمن الحراك النسوي قي شمال وشرق سوريا فمن خلال التوحش تسعى هذه التنظيمات لخلق الرعب في المجتمعات لتخضع وتقبل كل ما يتم طرحه.
إن المجتمع الذي تعلم أن يحيى حراً ويمتلك وعياً ثورياً لا يمكنه ان يقبل الخضوع لبراديغما سلطوية بل سيبقى يناضل لاجل قيمه الإنسانية وعلى هذا تعاهد الكرد ومعهم المناضلين من أبناء شمال وشرق سوريا.
ان المخاض الصعب الذي تعيشه سوريا اليوم هو مخاض ناتج عن تضاد الغايات بين مشروع ديمقراطي ومشروع قوموي جهادي .