بيداغوجيا و جدلية الحرية

منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم، أخرجت الحركة النسائية الكردية التربية من حدود المدرسة وجعلتها أساساً للحرية الاجتماعية والسياسية.

 بيداغوجيا حركة المرأة الكردية (المنهج التربوي لحركة المرأة الكردية): جدلية الحرية

يُعد مجال البيداغوجيا أحد أكثر العناصر تأثيراً في الدولة القومية للحداثة الرأسمالية، التي تستحوذ عليها بشكل منهجي وتعيد تشكيلها. التربية هنا تتجاوز كونها مجرد شكل ضيق من “علم التدريس”، فهي مشروع سياسي علمي، تبني الأسس الجوهرية للمجتمع من خلال التعليم والمشاركة. إن تربية القوى، التي تُعامل كهندسة، تُرسخ في الخفاء الأساس الجوهري للسلطة، وهي فعالة. لقد وضعت الحداثة الرأسمالية، التي يهيمن عليها الذكور، والتمييز الجنسي الخاضع لسيطرة الدولة، والعنصرية، والاستعمار، وبرنامج التعليم الاستعماري، نصب عينيها هدف السلطة والفردية، وتسعى إلى مواجهة القوى الأخرى بشكل أعمى. من قواعد اللغة إلى التاريخ، كُتبت رواية رسمية بنجاح، وحُجبت الجغرافيا وحُولت إلى سجن اسمي؛ كما اختُزل المجتمع إلى مجرد كتلة تحتاج إلى فحص. يُعد هذا النظام، ولا سيما بالنسبة للشعوب المُستعمَرة ونساء تلك المستعمرة، اللواتي يتعرضن للإبادة الثقافية واللغوية، آلية عنف تُقسم الشخصية بشكل منهجي، مُسببةً أزمةً شخصيةً تُزعزع ثقة الفرد بنفسه وتُشعره بالخزي من وجوده. وبهذه الطريقة، تُوضع الشخصية في موقفٍ تُعاني فيه من أزمةٍ شخصيةٍ عميقة، فتُساور فيها وتشعر بالخزي من وجودها.

في مواجهة هذا النموذج ذي المركزين، كـ”الرؤية بمشاعر سطحية” و”التقييم كأشياء” وخلق “أجساد مشوهة”، طورت نساء كردستان منهجاً تربوياً جذرياً. فبدلاً من كل ما يرفضه التعليم التقليدي، أو يعتبره غير موجود أو مرضياً، تستخدم هذه البيداغوجيا الألم والذاكرة والرغبة والغضب كمواد خام. هنا، يجد مفهوم التعليم تعريفه كتنمية شاملة وعميقة. منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم، أخرجت الحركة النسائية الكردية التربية من حدود المدرسة وجعلتها أساساً للحرية الاجتماعية والسياسية. لقد تجاوزت التعليم كونه مجرد “فن التدريس والتعلم”، ورفعته إلى مرتبة عملية وجودية متكاملة. ومرة ​​أخرى، يكتسب التفكير في الشخصية وتقديرها، وفي نهاية المطاف تشكيل مصيرها، أهمية بالغة.

عند النظر إلى التراث الثقافي الكردي من منظور علمي، نجد أنه أكثر شموليةً وعمقاً وتكاملاً من التعليم الغربي الحديث. ويتجسد هذا النهج في مفهومي التعليم (التحليق، اكتساب القوة) والتعلم (التعلم من خلال التجربة، النشأة). لطالما نقلت النساء في المجتمع الكردي الأحداث التاريخية إلى يومنا هذا عبر نقل “المواويل”، كما ينقلن أيضاً التجارب الاجتماعية وقصص المقاومة من خلال الأغاني والذكريات، ليصبحن مكتبات حية تتناقلها الأجيال. لقد أصبحت المرأة الكردية حاميةً وحافظةً للثقافة والتاريخ المشتركين. هذه المعرفة تتجاوز كونها رسمية ومكتوبة وعقائدية، فهي عملية شفهية طبيعية، غنية بالمشاعر، تتجسد في التراث الاجتماعي بشكل ملموس.

أدت عملية بناء الدول القومية الحديثة، ولا سيما قانون توحيد التعليم لعام ١٩٢٤ وسياسات الهجرة القسرية في التسعينيات، إلى قطع سلسلة نقل المعرفة الطبيعية، وإلحاق الضرر بالوعي الاجتماعي، وإعادة تشكيل الدور الثقافي للمرأة. أصبحت المؤسسات التعليمية الحكومية أماكن مؤلمة للنساء والأطفال الكورد، حيث تُنكر لغتهم الأم وهويتهم وتُطمس (التتريك، التفريس، والتعريب) وتُفرض عليهم بشكل ممنهج. أصبحت أساليب تعليم الحكام، خلافاً لمعناها اللغوي، أداةً لـ”الابتعاد الذاتي”للكورد.

تستند حركة تحرير المرأة الكردية، تحديداً لملء هذا الفراغ والانفصال، إلى إعادة بناء منهج تربوي متجذر بعمق، مع نهج محترم ومقاومة حديثة، حيث يتم نقل المعرفة من خلال الأساليب التقليدية.

شكلت عملية تشكيل حركة التحرر الكردستانية أيضاً المهد الذي تبلور فيه هذا النموذج التربوي البديل. ففي المراحل الأولى، كانت الحوارات الجماعية الصغيرة في كل منزل، حتى تحت الأشجار، بمثابة المساحات التعليمية الأولية. وقد ساهمت أكاديمية محسوم كوركماز، التي تأسست عام ١٩٨٦، والتي تركز على التاريخ الكردي والفلسفة وفكر تحرير المرأة وتحليل الشخصية، في إضفاء طابع مؤسسي وبرنامج نقدي على هذه العملية. لم تقتصر الأكاديمية على كونها مجالاً للتثقيف الفكري فحسب، بل أصبحت أيضاص مجالاً هاماً لتنمية التفكير الجدلي، وتطوير القدرة على التفكير الاستراتيجي، ومكاناً ملموساً يستطيع فيه الفرد التحرر من آثار الاستعمار.

يرتكز نهج الحركة النسائية الكردية في التربية، كما طرحه باولو فريري في كتابه “تربية المقهورين”، على فكرة أن التعليم قد يكون أداةً للهيمنة أو ممارسةً للتحرر. وتتبنى الحركة الخيار الثاني بشكل جذري، لأن التعليم هو فعل الحرية بحد ذاته. ولا يقتصر الأمر على الوعي أو الممارسة الواعية، بل يشمل المعرفة، ومن خلال المشاركة، يعود التعليم إلى الحياة الاجتماعية ويهدف إلى عملية إعادة البناء الثورية.

يُعد الحوار جوهر هذه العملية. فبينما تُعتبر تربية السلطة مونولوجاً، ومنهجها قائم على مبدأ “من يعلم يُخبر من لا يعلم”، فإنّ التعليم في جوهره حوار. في الواقع، فقد مصطلح “سلطة السلطة” معناه، لأنّ الجميع في هذه اللحظة الحساسة والمُلهمة قد كسروا صمتهم وبدأوا بالتحدث.

إن من يروون قصصهم هم من قدر لهم العزلة والصمت، هم من يمنحون معاناتهم معنىً ويصبحون بناة مستقبلهم. عندما يُعرف المظلومون العالم بكلماتهم، فإنهم يكتسبون أيضاً القدرة على تغييره.

تجسد هذه الممارسة قضايا مثل النقد والتقييمات اليومية والتحولات. وانطلاقاً من مبدأ “ليس ما يتحول لحظةً عابرة، بل تاريخ؛ ليس شخصاً، بل مجتمعاً”، تُعمم التحولات الشخصية اجتماعياً، ويُبرز ارتباطها بالتاريخ. إن تجربة المرأة في حيز “اسم العائلة” المغلق، عندما تُثار في صلب جلسة تربوية، تصبح ملتقىً للدولة والتقاليد، ثم تعود إلى داء العنف المرضي. وهذا تأكيد شخصي شديد التأثير، ذو بُعد سياسي.

لقد جردت نظرية المعرفة التي بناها العقل الذكوري الأوروبي المعرفة، وجعلتها موضوعاً، ورمزتها بمعزل عن المشاعر والجسد. ووفقاً لهذا الرمز، يُعتبر الجسد ضعيفاً، واللاوعي مصدراً غير موثوق، والمشاعر كياناً يجب السيطرة عليه. يجمع التعليم هذه الثنائية، العقل/المشاعر، الذات/الموضوع، الحاضر/الخاص، مع الأرض. وفي سياق التربية، فإن “كتابة” العابر، لا كتب تاريخ الدولة، هي ما يُجسد الألم الذي رسمته أم على خرائطها، والمقاومة التي غنتها مغنية في أغانيها، وتعلم مقاتلة على الطرقات دونته في مذكراتها.

من هذا المنظور، تشهد منهجية الحركة النسائية الكردية تحولاً جذرياً عن النموذج الغربي في ثلاثة أركان رئيسية:

التعلم الجسدي: في معسكرات المقاومة، لا يقتصر تدريب الدفاع عن النفس على الجانب التقني فحسب، بل يُحرر الجسد صراحةً من سيطرة النظام الأبوي، ليصبح اختباراً بدنياً. كل حركة دفاعية، وفي الوقت نفسه ترسم حدوداً جذرية، هي بمثابة تمرد. الحرية ليست فكرة مجردة، بل هي تجربة ملموسة تُجسد في الفكر والشعور والممارسة.

التربية العاطفية: لقد أغفل النموذج الغربي، الذي يعتبر نفسه عقلانياً، الجانب العاطفي من التعليم. لكن هنا، تُشكل ذكريات الشهداء، وأغاني المواويل، وأعمال المسرح والثقافة، الجانب العاطفي للذاكرة الجماعية، وتضطلع بدور محوري في استعادتها. ففي المسرحية، يُمكن تجسيد الصدمة الزمنية على خشبة المسرح وتحويلها عبر تطور درامي.

النقد التاريخي واستراتيجية التحرر من الاستعمار: يُرفض رفضاص قاطعاً التاريخ الرسمي الذي يصور الكورد والنساء على أنهم “ضحايا” أو “بلا تاريخ”. وبدلاً من ذلك، يُسلط الضوء على التقاليد العريقة للمقاومة. وتُقرأ التجارب الاستراتيجية عبر الزمن، والانتفاضات، وشبكات التضامن كدليل للنضال الحالي.

يجب قراءة التجارب الزمنية الاستراتيجية والانتفاضات وخطوط التضامن على أنها أجندات يومية للنضال. وبالمقارنة مع الآراء السلبية لأمثال إدوارد سعيد الذي نظر للاستشراق، يُعد هذا مثالاً ثورياً لكيفية تجاوز ذلك عملياً.

الجنولوجي : مناهضة الابستمولوجيا ( نظرية المعرفة ) وإعادة سحر المعرفة

تؤدي كل هذه الممارسات حتماً إلى التساؤل عن طبيعة المعرفة نفسها، أي طابعها المتحيز جنسياً والاستعماري. تُعد الجنولوجي (علم المرأة) التعبير المنهجي والنظري عن هذا التساؤل. إنها مناهضة لنظرية المعرفة، ترفض حيادية العلم، المتجذرة في الفكر الذكوري والاستعماري، وتعيد قراءته من منظور أنثوي.

بحسب الجنولوجي، فإن التاريخ الرسمي للأبطال والحروب والمعاهدات نصٌ ناقصٌ ومتحيزٌ يُخفي إسهامات المرأة في الإنتاج والثقافة والمقاومة والرعاية. ويُعد التعليم أحد أهم ركائز عملالجنولوجي. فالتعليم، من منظور المرأة، يُشكك في محاولة إعادة كتابة النص الخاطئ والناقص للنموذج الاستعماري الذي يتمحور حول “حكمة المرأة”. ويهدف هذا إلى إعادة إحياء المعرفة من منظور تحرير المرأة، وربطها بالحياة والعاطفة والأخلاق.

إنّ مخيمات ومؤتمرات وورش عمل الجنولوجي التي لا تُحصى، والتي تُعقد في أوروبا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط والغرب، ليست مجرد أماكن للنقاشات النظرية، بل هي أيضاً أماكن تُحضر فيها وجبات الطعام جماعياً، وتُجرى فيها حوارات حول نار المخيم، وتُنسج فيها روابط روحية من خلال الأنشطة الفنية. هنا، التعليم هو الحياة نفسها. فالمعرفة لا تُنتج في العقل فحسب، بل تُنتج في الجسد، وفي العلاقات، وفي عمليات الإبداع المشترك.

على طريق تحقيق الذات: بناء الهوية والتفاعل الاجتماعي

الهدف الرئيسي لهذه العملية التربوية الثورية هو حالة الذات، أي العلاقة بين الفرد والمجتمع. تتطلب الذات إقامة صلة جدلية بين الوجود والوعي. والهدف هو إصلاح الضرر الذي ألحقه الاستعمار والنظام الأبوي بالشخصية وذاكرة المجتمع، وتحويل الشخصية إلى فاعلٍ في حقيقة الذات. يشكل السؤالان “من أنا؟” و”كيف أريد أن أعيش؟” الأساس الفلسفي والأيديولوجي للتعليم.

لا تهدف هذه العملية إلى تغيير النساء فحسب، بل الرجال أيضاً. ففي إطار مشروعها “للقضاء على هيمنة الرجل الأبوي” و”تغيير الرجال”، تنظم حركة الحرية أيضاً “تعليماً ذاتياً” للرجال. ومن المثير للاهتمام أن اللجان التي تقدم هذا التعليم تتألف من نساء. وهذا يخلق مصالحة بين الداخل والخارج في علاقات الهيمنة، وفي الوقت نفسه خطوة جذرية تعيد تعريف المعرفة ومنظور التغيير من خلال نموذج تحرير المرأة. والهدف هو بناء أسرة ديمقراطية، والقضاء على الخطاب والحركات التمييزية ضد المرأة، وفي نهاية المطاف بناء علاقات فلسفية وعلمية ومتساوية وتحررية.

إن فهم الحركة النسائية الكردية للتعليم هو تعبير عن ثورة ترفض الصمت والعنف. إنه ليس مجرد ترديد لخطاب السلطة، بل هو شجاعة بناء الحقيقة بكلمات المرء الخاصة. هنا، يوحد التعلم العقل والجسد والمشاعر والروح؛ فلا وجود لسردية أحادية الجانب، بل حوار ومشاركة وإبداع جماعي. يجمع هذا النموذج بين النظرية والتطبيق، والتجربة الفردية ونضال المجتمع؛ فالتعلم والمقاومة متلازمان. التعليم ليس مجرد نقل للمناهج الدراسية، بل هو ثورة تعيد فيها النساء والشعوب كتابة ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم بشروطهم الخاصة. هذا ليس خاصاً بكردستان وحدها، بل هو مصدر إلهام يشمل جميع المضطهدين في العالم. لقد تحول التعليم الآن من أداة استيعاب إلى أقوى ممارسة للحرية والمقاومة والإبداع.

قد يعجبك ايضا